منتدى المهاجر

مرحبا بكم في منتدى المهاجر
 
الرئيسيةاعلان هاممكتبة الصوراليوميةس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءدخول

شاطر | 
 

 بغداد سعدي وعراق السياب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
webmaster
وسام الادارة
وسام الادارة
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 290
العمر : 32
تاريخ التسجيل : 24/12/2007

مُساهمةموضوع: بغداد سعدي وعراق السياب   الثلاثاء ديسمبر 25, 2007 7:48 am

بغداد سعدي وعراق السياب




معجب الزهراني
(السعودية)

حصلت من الشاعر نفسه على هذا النص مكتوباً بخط يده الجميل سنة كتابته (95) ومنذئذٍ أدرسه كلما درست مقرر "الشعر العربي الحديث" وذلك لأسباب.
أولها أن هذا النص يعد نموذجاً على تحول الشعرية الحديثة، عندنا وعند غيرنا، إلى الكثافة والإيجاز، لا لقصر في النفس الشعري لدى سعدي وأمثاله، وإنما لأن شعرية الحالة الوجودية الخاطفة هي جزء من وضعية كونية يعيشها المبدع والمتلقي على السواء. فالزمن لحظات متقطعة لاهثة تجعل الكائن يعاش في ذاته وفي الواقع من حوله إيقاعات الانتقال السريع والمفاجئ من مقام لآخر وهو لمّا يبرح مكانه.
السبب الثاني أن النموذج ذاته يكشف عن تحول الشعرية الحديثة من جماليات القول إلى جماليات الكتابة التي قد تتحول إلى تشكيل بصري تتحول كل نقاطه وفواصله وفضاءاته البيضاء إلى عناصر بنائية ووظيفية في النص. إنه النص الشعري المتعدد اللغات وبالتالي فإن علامات اللغة اللفظية لا تكفي القراءة التي تريد أن تحاور نصاً كهذا وعدم كفايتها هو الذي ألجأ الشاعر إلى لغات رمزية موازية ومساندة لعلها أول وأبرز ما يلفت انتباه القارئ لحظة القراءة الأولى.
من جهة ثالثة نلمح في النص ذاته مظهراً من مظاهر تحول آخر لا أقل أهمية في الشعرية الحديثة عند كبار ممثليها وروادها وهو اختفاء كل أثر لذلك الزهو الفحولي للأنا الشاعرة بصيغه القديمة والحديثة التي أفاض الغذامي في الحديث عنها. إنها شعرية الانكسار والتشظي كما يسميها كمال أبوديب ونزعم أن سعدي ومحمد الماغوط وأنسي الحاج من أبرز ممثليها في سياق الشعرية العربية الحديثة.
أما الآن فأعود إلى هذا النص لسبب آخر يتحدد بهذه العلاقة الحوارية الحميمية الصامتة بين الشاعر ومدينة بغداد التي ينطوي عليها القلب جمرة من جمراته أو بؤرة لوجوده المختزل في لحظة من لحظات الألم الأقصى. فكثير من الشعراء العرب المعاصرين قالوا وكتبوا هجائيات أو مدحيات مطولة في مدنهم وفاء لتقليد رومانسي حديث أو لتقاليد مديح ورثاء المدن في تراثنا القديم. هنا يختلف الأمر إذ لم تعد المدينة فضاء خارجياً يعاينه الشاعر ويستحضره في نصه من دون إبراز المسافة فيما بين الطرفين. فلقد غابت المدينة عن سعدي المهاجر عقوداً، وغيابها حولها عنده إلى خبر متصل ينبئ عن الغياب ويكثف دلالاته وها هي سيرورة الغياب ذاتها تحول المدينة إلى كينونة داخلية للذات في موقف تراجيدي كهذا. ذات يوم كتب شاعر تقليدي عملاق كالجواهري قصيدة شهيرة عن بغداد مطلعها:

يا نسمة الريح من بين الرياحين
حيي الرُّصافة عني ثم حييني

وعن بغداد ذاتها كتب ثانية مطلعها:

لا در درك من ربوع ديار
قرب المزار بها كبُعدِ مزار

وفي لحظة من لحظات الغضب واليأس، وبصوت النبي المخذول من قومه وأهله كتب مرة ثالثة عن بلاد فساد كلها تشبه "سدوم" قصيدة أشهر من سابقتيها مطلعها:

أطبق دجى أطبق ظلام
أطبق جهاماً يا غمام

هذه القصيدة الملحمية - الطقوسية كانت تحضرني طوال الحرب المأساوية الأخيرة فاهرب فزعاً من صورها إلى قصيدة سعدي. فحينما يتحول الدعاء الشعري إلى خبر نسمعه ونراه ونقرأ عنه كل لحظة، وطوال أسابيع، لا نتملك غير الانحياز إلى الضحية.
هكذا كان السياب يحضر وكأنه السلف الكبير لسعدي، إذ في كل مقاطع "أنشودة المطر" لا يحضر العراق، أو إحدى مدنه وقراه، إلا ضمن إطار هذه الرؤية الحميمية التي تتجاوز منطق المديح والهجاء والحنين والخيبة والدعاء.
فحينما يعي الشاعر أن علاقة الجذب والنبذ التي تصله وتفصله عن فضاءات حياته الحميمية ليست من صنعه ولا من صنع الفضاء ذاته لا يعود هناك مبرر لغير علاقات التعاطف الذهني والشعوري بين طرفين كلاهما ضحية للطغيان. هنا تحديداً تصبح المدينة مجازاً للذات بقدر ما تصبح الذات لسان حال المدينة وقد حلت صوتاً خافتاً متألماً دامياً من أصوات القلب في لحظة وهن يطال الجسد المنفي كله لكنه لا يمس الروح المتقدة بقبس الشعر. تُرى.. هل سينبض قلب بغداد/ يوسف بصوت آخر وقد وصلت المأساة ذروتها؟!.
في لحظة من لحظات الغربة والعزلة والألم والتجلي الشعري الخاطف كتب سعدي يوسف:

الآن أنا
أنا متسع العينين
بعيد عن منتصف الليل
وأبعد عن خطوات الفجر
أحدق في الصورة، حيث الحائط أبيض
والأشجار وراء زجاج المطبخ سود...
في اللحظة
في هذي اللحظة
في البغته
أسمع شمعاً يقطر في ماءٍ
ماءً يقطر في شمعٍ
أسمع أشجاراً تقطر أشجاراً
أسمع ماء يقطر أسماء
أسمع أسماءً تقطر ماءً
أسمع في الهدأة دمعاً يقطر
...
أسمع في الصمت دماً يقطر
أسمع بغداد تئن
...
أسمع نبضي.

_________________
المهاجر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elmohajir.ahlamontada.com
 
بغداد سعدي وعراق السياب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المهاجر :: صوتيات أدبية وشعرية-
انتقل الى: